محمد بن جرير الطبري

450

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قوله : ( ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال ) ، الآية ، قال : قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت صادقًا فسيِّر عنا هذه الجبال واجعلها حروثًا كهيئة أرض الشام ومصر والبُلْدان ، أو ابعث موتانَا فأخبرهم فإنهم قد ماتوا على الذي نحن عليه ! فقال الله : ( ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ) ، لم يصنع ذلك بقرآن قط ولا كتاب ، فيصنع ذلك بهذا القرآن . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } قال أبو جعفر : اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى قوله ( أفلم ييأس ) . فكان بعض أهل البصرة يزعم أن معناه : ألم يعلمْ ويتبيَّن = ويستشهد لقيله ذلك ببيت سُحَيْم بن وَثيلٍ الرِّياحيّ : أَقُولُ لَهُمْ بالشِّعْبِ إِذْ يَأْسِرُونَنِي . . . أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ ( 1 ) ويروى : " يَيْسِرُونَني " ، فمن رواه : " ييسرونني " فإنه أراد : يقتسمونني ، من " الميسر " ، كما يقسم الجزور . ومن رواه : " يأسرونني " ، فإنه أراد الأسر ، وقال : عنى بقوله : " ألم تيأسوا " ، ألم تعلموا . وأنشدوا أيضًا في ذلك : ( 2 ) أَلَمْ يَيْأَسِ الأقْوَامُ أَنِّي أَنَا ابْنُهُ . . . وَإِنْ كُنْتُ عَنْ أَرْضِ العَشِيرَةِ نَائِيَا ( 3 )

--> ( 1 ) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 332 ، وأساس البلاغة ( يأس ) ، وخرجه الأستاذ سيد صقر في مشكل القرآن : 148 ، وغريب القرآن : 228 ، واللسان ( يأس ) . وشرحه وبينه هنالك ، وغير هذه المواضع كثير . و " زهدم " فرس سحيم فيما قالوا . ولو صحت نسبة الشعر لسحيم لكان " زهدم " فرس أبيه وثيل . وهذا الشعر ينسب إلى جابر بن سحيم ، فإذا صح ذلك ، صح أن " زهدم " فرس سحيم . وانظر نسب الخيل لابن الكلبي : 17 ، وأسماء الخيل لابن الأعرابي : 63 . ( 2 ) نسب إلى مالك بن عوف ، وإلى رياح بن عدي . ( 3 ) معجم غريب القرآن في مسائل نافع بن الأزرق ، لابن عباس : 291 : والقرطبي : 9 : 320 ، وأبو حيان 5 : 392 ، وأساس البلاغة ( يأس ) ، ولم أعرف الشعر .